ابن أبي العز الحنفي

394

شرح العقيدة الطحاوية

السقاء ، وأنها تصعد ويوجد منها [ من المؤمن ] كأطيب ريح ، ومن الكافر كأنتن ريح ، إلى غير ذلك ، من الصفات . وعلى ذلك أجمع السلف ودل العقل ، وليس مع من خالف سوى الظنون الكاذبة ، والشبه الفاسدة ، التي لا يعارض بها ما دل عليه نصوص الوحي والأدلة العقلية . وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح : هل هما متغايران ، أو مسمّاهما واحد ؟ فالتحقيق : أن النفس تطلق على أمور ، وكذلك الروح ، فيتحد مدلولهما تارة ، ويختلف تارة . فالنفس تطلق على الروح ، ولكن غالب ما يسمّى نفسا إذا كانت متصلة بالبدن ، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها . ويطلق على الدم ، ففي الحديث : « ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه » « 519 » . والنفس : العين ، يقال : أصابت فلانا نفس ، أي عين . والنفس : الذات ، فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ النور : 61 لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ النساء : 28 ، ونحو ذلك . وأما الروح فلا يطلق على البدن ، لا بانفراده ، ولا مع النفس . وتطلق الروح على القرآن ، وعلى جبرائيل ، وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الشورى : 52 . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ الشعراء : 193 . ويطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان أيضا . وأما ما يؤيد اللّه به أولياءه ، فهي روح أخرى ، كما قال تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ المجادلة : 22 . وكذلك القوى التي في البدن ، فإنها أيضا تسمى أرواحا ، فيقال : الروح الباصر ، والروح السامع ، والروح الشامّ « 520 » . ويطلق الروح على أخص من هذا كله ، وهو : قوة المعرفة باللّه والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته . ونسبة هذا الروح إلى الروح ، كنسبة الروح إلى البدن ، فالعلم روح ، والإحسان روح ، والمحبة روح ، والتوكل روح ، والصدق روح والناس متفاوتون في هذه الروح : فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا ، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيّا بهميّا . وقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم

--> ( 519 ) لا أعرف له أصلا ، وانما هو من كلام الفقهاء . ( 520 ) قال عفيفي : انظر « العقل والنقل . لابن تيمية ص 177 ج 2